فصل: تفسير الآية رقم (12):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التيسير في التفسير أو التفسير الكبير المشهور بـ «تفسير القشيري»



.تفسير الآية رقم (10):

{إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10)}
آواهم إلى الكهف بظاهرهم، وفي الباطن فهو مُقِيلُهم في ظلِّ إقباله وعنايته، ثم أخذهم عنهم، وقام عنهم فأجرى عليهم الأحوال وهم غائبون عن شواهدهم.
وأخبر عن ابتداء أمرهم بقوله. {رَبَّنَا ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيْئ لَنَا مِنْ أمْرِنَا رَشَداً}: أي أنهم أَخّذُوا في التبرِّي مِنْ حَوْلِهم وقُوَّتِهم، ورجعوا إلى الله بِصِدْق فَافَتِهم، فاستجاب لهم دعوتَهم، ودفع عنهم ضرورتَهم، وبَوَّأَهم في كنف الإيواء مقيلاً حسناً.

.تفسير الآية رقم (11):

{فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11)}
أخذناهم عن إحساسهم بأنفسهم، واختطفناهم عن شواهدهم بما استغرقناهم فيه من حقائقِ ما كاشفناهم به من شهود الاحدية، وأطلعناهم عليه من دوام نعت الصمدية.

.تفسير الآية رقم (12):

{ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12)}
أي رددناهم إلى حال صحوهم وأوصاف تمييزهم، وأقمناهم بشواهد التفرقة بعد ما محوناهم عن شواهدهم بما أقمناهم بوصف الجمع.

.تفسير الآيات (13- 14):

{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14)}
قوله جلّ ذكره: {نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءَامَنُوا بِرَبِّهِمْ}.
لمَّا كانوا مأخوذين عنهم تولَّى الحق- سبحانه- أَنْ قصَّ عنهم، وفَرْقٌ بين من كان عن نفسه وأوصافه قاصاً؛ لبقائه في شاهده وكونه غيرَ منتفٍ بجملته.. وبين من كان موصوفاً بواسطة غيره؛ لفنائه عنه وامتحائه منه وقيام غيره عنه.
ويقال لا تُسَمعُ قصةُ الأحباب أعلى وأَجَلّ مما تُسْمعُ من الأحباب، قال عزَّ من قائل: {نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيكَ}، وأنشدوا:
وحَدَّثْتَنِي يا سَعْدُ عنها فَزِدْتني ** حنيناً فَزِدْني من حديثكَ يا سعدُ

قوله: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءَامَنُوا بِرَبِّهِمْ}: يقال إنهم فتية لأنهم آمنوا- على الوهلة- بربِّهم، آمنوا من غير مهلة، لمَّا أتتهم دواعي الوصلة.
ويقال فتية لأنهم قاموا لله، وما استقروا حتى وصلوا إلى الله.
قوله جلّ ذكره: {وَزِدْنَاهُمْ هُدىً وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُُوبِهِمْ}.
لاَطفهم بإحضارهم، ثم كاشفهم في أسرارهم، بما زاد من أنوارهم، فلقَّاهم أولاً التبيين، ثم رقّاهم عن ذلك باليقين.
{وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ}: بزيادة اليقين حتى متع نهار معارفهم، واستضاءت شموسُ تقديرهم، ولم يَبْقَ للتردد مجالٌ في خواطرهم، و(...) في التجريد أسرارهم، وتَمَّتْ سكينةُ قلوبهم.
ويقال: {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ}: بأن أفنيناهم عن الأغيار، وأغنيناهم عن التفكُّر بما أوليناهم من أنوار التبصُّر.
ويقال ربطنا على قلوبهم بما أسكَنَّا فيها من شواهِدِ الغيب، فلم تسنح فيها هواجسُ التخمين ولا وساوس الشياطين.
قوله جلّ ذكره: {إِذْ قَامُوا فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ}.
قاموا لله بالله، ومَنْ قام بالله فُقِدَ عمَّا سوى الله.
ويقال من قام لله لم يقعد حتى يصلَ إلى الله.
ويقال قعدت عنهم الشهوات فَصَحَّ قيامُهم بالله.
قوله جلّ ذكره: {لَن نَّدْعُوا مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطَاً}.
مَنْ أحال الشيءَ على الحوادث فقد أشرك بالله، ومَنْ قال إِنَّ الحوادث من غير الله فقد اتخذ إلهاً مِنْ دون الله.

.تفسير الآية رقم (15):

{هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15)}
لمَّا لم يكن لهم حجة اتضح فيما ادعوه كذبُهم، فمن اكتفى بِنَفْي القالة دون ما يشهد لقوله من أدلته فهو معلول في نحلته.
{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً}؟ فمن ذَكَرَ في الدِّين قولاً لم يؤيَّد ببرهان عقلي أو نقلْي فهو مفترٍ، ومَنْ أظهر مِنْ نَفْسه حالاً لم يوجبه صدق مجاهدته أو منازلته فهو على الله مُفْتَرِ. والذي يصدق في قوله- في هذه الطريقة- فهو الذي يسمع من الحق بسرِّه، ثم ينطق بلفظه.

.تفسير الآية رقم (16):

{وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا (16)}
العزلةُ عن غير الله توجِبُ الوصلة بالله. بل لا تحصل الوصلةُ بالله إلا بعد العُزْلَةِ عن غير الله.
ويقال لما اعتزلوا ما عَبِدَ من دون الله آواهم الحقُّ إلى كنف رعايته، ومهد لهم مثوىً في كهف عنايته.
ويقال مَنْ تبرَّأ مِنَ اختياره في احتياله، وصَدَقَ رجوعه إلى الله في أحواله، ولم يستَعِنْ- بغير الله- من أشكاله وأمثاله آواه إلى كَنَفِ أفضاله، وكفاه جميعَ أشغاله، وهَّيأ له مَحَلاً يتفيؤ فيه بَرْدِ ظِلالِه، بكمالِ إقباله.

.تفسير الآية رقم (17):

{وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (17)}
قوله جلّ ذكره: {وَتَرىَ الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ اليَمِينِ وَإذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ في فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ ءَايَاتِ اللَّهِ}.
كانوا في ُتَّسَعٍ من الكهف، ولكن كان شعاعُ الشمس لا ينبسط عليهم مع هبوب الرياح عليهم.
ويقال أنوار الشمس تتقاصر وتتصاغر بالإضافة إلى أنوارهم.
إن نورَ الشمس ضياءُ يستضيءُ به الخَلْقُ، ونور معارفهم أنوار يُعْرَف بها الحق، فهذا نور يظهر في الصورة، وهذا نور يلوح في السريرة. وبنور الشمس يدرك الخلْق وبنورهم كانوا يعرفون الحق.
وفي قوله- عَزَّ اسمه: {ذَلِكَ مِنْ ءَايَاتِ اللَّهِ} فيه دلالة على أن في الأمر شيئاً بخلاف العادة، فيكون من جملة كرامات الأولياء؛ ويحتمل أن يكون شعاعُ الشمسِ إذا انتهى إليهم ازورَّ عنهم، ومضى دونَهم بخلاف ما يقول أصحاب الهبة، ليكونَ فعلاً ناقضاً للعادة فلا يبعد أن يقال إن نور الشمس يُسْتَهْلَكُ في النور الذي عليهم.
قوله جلّ ذكره: {مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ المُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً}.
فاللَّه يهْدِي قوماً بالأدلةِ والبراهين، وقوماً بكشف اليقين؛ فمعارفُ الأولين قضية الاستدلال، ومعارف الآخرين حقيقة الوصال، فهؤلاء مع برهان، وهؤلاء على بيان كأنهم أصحاب عيان: {وَمَن يُضْلِلِِ اللَّهُ}: أي مَنْ وَسَمه بِسِمَةِ الحرمان فلا عرفانَ ولا علمَ ولا إيمان.

.تفسير الآية رقم (18):

{وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (18)}
قوله جلّ ذكره: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ}.
هم مسلوبون عنهم، مُخْتَطَفُون منهم، مُستَهلَكون فيما كوشِفوا به من وجود الحق؛ فظاهرهم- في رأي الخَلْق- أنهم بأنفسهم، وفي التحقيق: القائمُ عنهم غيرُهم. وهم محوٌ فيما كوشفوا به من الحقائق.
ثم قال: {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ}: وهذا إخبارٌ عن حُسْنِ إيوائه لهم؛ فلا كشفقةِ الأمهات بل أتم ولا كرحمة الآباء بل أعزُّ وبالله التوفيق.
ويقال إن أهلَ التوحيد صفتهم ما قال الحقُّ- سبحانه- في صفة أصحاب الكهف: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ} فَهُمْ بشواهد الفَرْقِ في ظاهرهم، لكنهم بعين الجمع بما كُوشِفوا به في سرائرهم، يُجْرِي عليهم أحوالِهم وهم غير متكلِّفين، بل هم يثبتون- وهم خمودٌ عما هم به- أن تصرفاتِهم القائمُ بها عنهم سواهم، وكذلك في نطقهم.
قوله جلّ ذكره: {وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بالوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً}.
كما ذَكَرَهُم ذَكَر كلبَهم، ومَنْ صَدَقَ في محبة أحدٍ أحبَّ مَنْ انتسب إليه وما يُنْسَبُ إليه.
ويقال كلبٌ خَطَا مع أحبائه خطواتٍ فإلى القيامة يقول الصبيان- بل الحق يقول بقوله العزيز-: {وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ} فهل ترى أنَّ مُسْلِماً يصحب أولياءَه من وقت شبابه إلى وقت مشيبه يردُّه يوم القيامة خائباً؟ إنه لا يفعل ذلك.
ويقال في التفاسير إنهم قالوا للراعي الذي تبعهم والكلب معه: اصرف هذا الكلب عنَّا.. فقال الراعي: لا يمكنني، فإني أنا ديته.
ويقال أنطق الله سبحانه- الكلبَ فقال لهم: لِمَ تضربونني؟
فقالوا: لِتَنْصَرِفَ عنَّا.
فقال: لا يمكنني أن أنصرف.. لأنه ربَّاني.
ويقال كلبٌ بَسَطَ يده على وصيد الأولياء فإلى القيامة يقال: {وَكَلْبُهُم باسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ}...فهل إذا رَفَعَها مسلمٌ إليه خمسين سنة ترى يرِدُّها خائبةً؟ هذا لا يكون.
ويقال لما صَحِبهَم الكلبُ لم تضره نجاسةُ صِفتِهِ، ولا خساسةُ قيمته.
ويقال قال في صفة أصحاب الكهف إن كانوا: {سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} [الكهف: 22]، أو {خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلُبُهُمْ} فقد قال في صفة هذه الأمة: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةِ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ} [المجادلة: 7].
وشتَّان ما هما!
ويقال كُلٌ يُعامَلُ بما يليق به من حالته ورتبته؛ فالأولياء قال في صفتهم: {وَنُقَلِبُهُمْ ذَاتَ اليَمينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ}، والكلب قال في صفته: {وَكَلْبُهُم باسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ}.
ويقال كما كرَّر ذكرَهم، كرر ذكْرَ كلبِهم.
وجاء في القصة أن الكلبَ لما لم ينصرفْ عنهم قالوا: سبيلنا إذا لم ينصرف عنَّا أَنْ نَحْمِلَه حتى لا يُسْتَدَّلَ علينا بأثر قَدَمِه فحملوه، فكانوا في الابتداء (بل إياه) وصاروا في الأنتهاء مطاياه.. كذا مَنْ اقتفى أَثَرَ الأحباب.
ويقال في القصة إن الله أنطق الكلب معهم، وبِنُطْقِه رَبَطَ على قلوبهم بأَنْ أزدادوا يقيناً بسماع نطقه، فقال: لِمَ تضربوني؟ فقالوا: لتنصرف، فقال: أنتم تخَافون بلاءً يصيبكم في المستقبل وأنتم بلائي في الحال.
ثم إنَّ بلاَءَكم الذي تخافون أنْ يصيبكم من الأعداء، وبلائي منكم وأنتم الأولياء.
ويقال لما لزم الكلبُ محلَّه ولم يجاوزْ حَدَّه فوضع يديه على الوصيد بقي مع الأولياء.. كذا أدب الخدمة يوجب بقاءِ الوُصلة.
قوله جلّ ذكره: {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً}.
الخطاب له- صلى الله عليه وسلم- والمرادُ منه غيره.
ويقال لو اطلعتَ عليهم من حيث أنت لوليت منهم فراراً، ولو شاهدتَهم من حيث شهود تولِّي الحق لهم لبقيت على حالك.
ويقال لو اطلعتَ عليهم وشاهدْتَهم لَوَلَّيْت منهم فراراً مِنْ أنْ تُرَدَّ عن عالي منزلتك إلى منزلتهم؛ والغنيُّ إذا رُدَّ إلى منزلة الفقير فَرَّ منه، ولم تَطِبْ به نَفسًه. {وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً} بأن يُسْلَبَ عظيمُ ما هو حالك، وتُقَامَ في مثل حالهم النازلة عن حالك.
ويقال: {لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً} لأنك لا تريد أن تشهد غيرنا.

.تفسير الآية رقم (19):

{وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19)}
قوله جلّ ذكره: {وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالَوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}.
استقلوا مدة لُبْثهم وقد لَبِثُو (طويلاً)، لكنهم كانوا مأخوذين عنهم، ولم يكن لهم عِلْمٌ بتفصيل أحوالهم، قال قائلهم:
لست أدري أطال لَيْلِي أم لا ** كيف يدري بذاك من يتقلَّى

لو تَفَرَّغْتُ لاستطالةِ لَيْلِي ** ورغيت النجومَ كنتُ مُخِلاَّ

ويقال أيامُ الوصالِ عندهم قليلة- وإنْ كانت طويلة، ولو كان الحال بالضدِّ لكان الأمر بالعكس، وأنشدوا:
صَبَاحُكَ سُكْرٌ والمِساءُ خُمار ** نَعِمْتَ وأيامُ السرورِ قصارُ

قوله جلّ ذكره: {يَومٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ}.
لأنه هو الذي خَصَّكُم بما به أقامكم.
قوله جلّ ذكره: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوِرِقِكُمْ هَِذهِ إِلَى المَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامَاً فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ}.
ما داموا مأخوذين عنهم لم يكن لهم طلبٌ لأكل ولا شربٍ ولا شيء من صفة النَّفْس، فلمَّا رُدُّوا إلى التمييز أخذوا في تدبير الأكل أَوَّلَ ما أحسوا بحالهم، وفي هذا دلالة على شدة ابتداء الخَلْق بالأكل.
قوله جلّ ذكره: {وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً}.
تَوَاصَوْا فيما بينهم بحسن التَّخَلقِ وجميل الترفُّقِ، أي ليتلطف مع من يشتري منه شيئاً.
ويقال أوصوا مَنْ يشتري لهم الطعامَ أَنْ يأتيهم بألطف شيءٍ وأطيبِه، ومن كان من أهل المعرفة لا يوافقه الخشن من الملبوس ولا المبتذل في المطعم من المأكول.
ويقال أهل المجاهدات وأصحاب الرياضات طعامهم الخشن ولباسهم كذلك والذي بلغ المعرفة لا يوافقه إلا كل لطيف، ولا يستأنس إلا بكل مليح.